أخبار دولية

زيارة غير اخلاقية قام بها البحارة الأميركيون الى السودان

منذ عدة أيام وصلت الى شواطئ السودان سفينة النقل السريع التابعة لقيادة النقل البحري العسكري في اسطول الولايات المتحدة الأميركية يو إس إس ونستون تشرشل، ورست في ميناء بورتسودان. كان باستقبال البارجة عدد من الشخصيات السودانية والضباط، وهذا أمر عادي يجري في جميع الدول رغم أن رسو بارجة أميركية تحديداً يحمل معاني ودلالات كبيرة.

فهذه الزيارة البحرية جاءت بعد 28 عاماً من المقاطعة في ظل الحصار الأميركي الذي تم فرضه على السودان بسبب سياسات نظام البشير الإخواني الداعمة للارهاب الدولي، كما أن زيارة سفينة حربية بالذات تعني رسالة واضحة من واشنطن أن تحسين العلاقات السودانية الأميركية يعني سماح السودان للولايات المتحدة بتعزيز دورها العسكري وتواجدها في السودان، وربما بناء قواعد عسكرية أميركية في السودان مستقبلاً.

أي أن الولايات المتحدة لا تنظر للسودان كشريك على أساس التكافؤ والعلاقات ذات المنفعة المتبادلة، فهي لا تحترم تلك الدول التي تعتقد أنها دول حليفة لها، بل على العكس تقوم بفرض تواجدها العسكري والاقتصادي وأحيانا تجبر هذه الدول على دفع ثمن هذا التواجد الأميركي.

فمن غير المستبعد أنه في المستقبل ستقرر الولايات المتحدة بناء قاعدة بحرية في السودان مقابل ازالة العقوبات وتقديم القروض والمساعدات، ومن ثم ستقوم بدعم الارهاب في الداخل السوداني كما فعلت في عدد من الدول العربية، وستعرض مساعدتها العسكرية وتواجدها بحجة محاربة الارهاب والقضاء عليه، فيصبح للولايات المتحدة قاعدة عسكرية في السودان وفوق كل هذا سيقوم السودان بدفع المال وتقديم التنازلات مقابل الحماية الاميركية ومحاربتها الوهمية للارهاب التي هي زرعته، وهذه السياسة ليست بجديدة فقد اتبعتها الولايات المتحدة في العراق والسعودية وأفغانستان، فدول الخليج مثلاُ تدفع مقابل التواجد الأميركي بداعي محاربة الارهاب والتصدي للخطر الايراني، وهذا قد يحصل في السودان، خصوصا أن السودان أضعف من الناحية الاقتصادية، كما أن الحكومة الانتقالية كلها مستسلمة للإرادة والتوجيهات الأميركية.

وما حادثة السٌكر والشجار التي أصبح أبطالها عدد البحارة الأميركيين، الذين وصلوا مع السفينة، التي تحدث عنها البعض في وسائل التواصل الاجتماعي، الا مؤشر ومثال عن العقلية الجمعية الأميركية، التي تفترض أن العالم كله عبارة عن مستعمرة، وان البحار الذي يحمل الجنسية الأميركية له الحق بأن يتصرف وكأنه في بيته الخاص عندما يحط على شواطئ أي من البلدان.

فلم يأخذ هؤلاء الحيطة، ولم يحسبوا حساباً أن السودان دولة في قارة أخرى حيث مجتمع آخر وعقلية مختلفة وعادات وتقاليد مختلفة كل الإختلاف عن تلك الموجودة في الولايات المتحدة، فلا توجد بارات أو حانات في السودان، على الأقل ليس بعد، وليس من العادة في السودان الانفتاح بالعلاقات بين الرجال والنساء، فالمجتمع السوداني مازال متغلقاً ومن الغريب هنا اعتراض الرجال للنساء في الشارع كما يفعل الأميركيون أو الأوروبيون في بلادهم، ولكن البحارة الأميركيون هؤلاء لا يعيرون لذلك بالاً ويمارسون هذا السلوك المشين رغم أنهم ضيوف هنا ويمثلون مؤسسة عسكري لدولة بحجم الولايات المتحدة.

وهذا ليس غريب عليهم ففي اليابان مثلاً حيث للولايات المتحدة الاميركية قواعد بحرية عسكرية، أيضاً يقوم الضباط والبحارة الأميريكون بالتعرض للنساء اليابانيات ووصل الأمر أحياناً لحد ارتكاب جرائم قتل للسكان المحليين من قبل العسكريين الأميركيين، وقيام السكان اليابانيين بمظاهرات وحتى مطالبات بطرد التواجد العسكري الأميركي من اليابان، ولكن طبعاً دونما فائدة.

فلا حلفاء للولايات المتحدة بل أدوات ودول خاضعة تنفذ الأجندات الأميركية، ولا احترام أميركي لخصوصيات الدول الأخرى وعاداتها وتقاليدها، ويتم تدعيم كل هذا التعامل السلبي عن طريق الاتفاقيات التي يتم توقيعها، فالبحارة الأميركيون وقواعدهم يتم حمايتها عن طريق الحصانات العسكرية والدبلوماسية، أي أن أي جريمة يرتكبها البحار الأميركي في أي بلد، لا يحاسب عليه وفقاً لقانون هذا البلد، بل بحسب القوانين الاميركية، وهذا بأفضل الأحوال، فما يعتبر جريمة في السودان مثلاً قد لا يعتبر ذلك في الولايات المتحدة، وحتى ان كان كذلك فالقيادة الأميركية تغض النظر عن هذه الجرائم المرتكبة طالما انما لم ترتكب على أراضي الولايات المتحدة.

وأكبر مثال على ذلك هو تواجد سجن غوانتانامو خارج الأراضي الأميركية رسمياً حيث يتم انتهاك حقوق السجناء وتعذيبهم، ولا أحد يعترض على ذلك لأنهم يقولون ان الجرائم هذه لا تحصل على الأراضي الأميركية. وهذه القاعدة نفسها تطبق على جميع القواعد العسكرية والبحرية الاميركية في دول العالم.

وبالتالي فالسودان كان يجب على الأقل أن يقدم شكوى رسمية ولو عبر القنوات العسكرية المغلقة بين البلدين، لانه حتى لو كانت هذه حادثة عابرة غير ذات قيمة، فهي لها دلالات عميقة تتعلق بمدى احترام القيادة السودانية لسيادة الدولة السودانية على أراضيها، ولكن عدم تسليط الضوء على هذه الحادثة بالشكل الكافي هو دليل على أن السودان ينبطح امام الولايات المتحدة وهذا أمر لم يكن يحصل حتى في عهد البشير ونظامه المنحل.

ان علاقات السودان مع الدول الأخرى بما فيها الولايات المتحدة يجب أن تبنى على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة دون تعدي أو تجاوز للخطوط الحمراء، مهما كانت قليلة الأهمية، فاليوم قد يكون الأمر قد طوي لانه لم يصب أحد بأذى، ولكن لاحقاً قد نشهد عمليات اغتصاب أو سرقة أو قتل من قبل البحارة الاميركيين، وقد يعني هذا خروجنا بمظاهرات احتجاجية قبالة القواعد الأميركية أو سفارة الولايات المتحدة كما يحصل في اليابان وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *